أعلام الأسرة

برز من أسرة آل عبدالقادر عبر القرون عددٌ من العلماء والقضاة والأئمة والأدباء والباحثين، الذين كان لهم أثرٌ بارز في خدمة العلم والقضاء والدعوة والأدب والمجتمع.

الشيخ العلامة كبير القضاه أحمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالقادر

كبير قضاة دولة بني خالد، ومن أوائل أعلام الأسرة المعروفين.

  • أنصاري خزرجي
  • شافعي المذهب
  • الأحساء
  • ت. ١١٩٧ هـ

الشيخ أحمد بن عبدالله هو العلّامة كبير قضاة دولة بني خالد، الشيخ أحمد بن الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالقادر، ويُعد من أوائل علماء الأسرة الذين وصلت إلينا معلومات وافية عن حياتهم وآثارهم العلمية والأدبية. وقد ذكره الزركلي في كتاب الأعلام فقال:

في كتابه الشهير «الأعلام»
ت ١٣٩٦ هـ

«أحمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالقادر الأنصاري الخزرجي. جد الأسرة المعروفة اليوم في الأحساء، وأول من اشتهر من رجالها. مولده ووفاته فيها. من الشافعية. تلى رئاسة القضاء لحاكمها وصار كاتب سره صاحب النفوذ»

اتجه الشيخ إلى طلب العلم اقتداءً بآبائه وأجداده، فدرس الفقه وعلوم اللغة العربية على كبار علماء الأحساء والعلماء الوافدين إليها، وقرأ الفقه والنحو على العلامة عبدالله بن محمد آل عبداللطيف المعروف بالشافعي الصغير، كما درس كتاب البهجة المرضية في شرح الألفية للإمام السيوطي على يد العلامة محمود بن محمد الكردي البيتوشي.

حظي الشيخ بمكانة رفيعة لدى حكام بني خالد، وعلى رأسهم الشيخ عرعر بن دجين وابنه سعدون، فتولى منصب المستشار الأول وكبير القضاة ورئيس الوزراء. وقد عُرف بورعه وتمسكه بالشرع، إذ لم يقبل المنصب إلا بعد أن أُعطي العهد بألا يُكتب أو يُحكم إلا بما يوافق الشريعة.

ولسمعته الطيبة وثقة الناس به، أوكل إليه الإشراف على وصية جد الشيخ عرعر، وقد ورد ذلك في وثيقة شرعية مطولة جاء فيها:

«بسم الله أقول وأنا الفقير إلى الله عرعر بن دجين بأن جدي سعدون بن محمد قد أوصى بثلاثة عشر موسمية تنزع من العقار المسمى بالخريمة الكائنة بطرف الحقل وعين له في ذلك أضحية كل سنة وطعما في شهر رمضان كل سنة، وقراءة جزء من القرآن كل يوم على الدوام وإهداء ثوابه له وجعل الوصى على ذلك والمتولى له عبدالله بن محمد بن عبدالقادر ثم من بعده على الصالح من أولاده ثم من بعدهم على أولادهم وقد قررت أحمد بن عبدالله فيما هو مذكور ثم أولاده من بعده بشرط القيام بما عينه الموصى في ذلك تقريرا شرعيا. ولعنة الله على من غيّر ذلك أو سعى في تبطيله. فمن بدّله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم. جرى ذلك بحضرة عبدالله بن عبدالمحسن وعبدالرحمن بن ثمام. وكفى بالله شهيداً.»

وكان للشيخ -رحمه الله- علاقات وثيقة مع علماء زمانه، خصوصاً مع العلّامة البيتوشي الذي ذكر الشيخ في كتابه «صرف العناية بشرح الكفاية»، فقال:

«هو أحمد بن عبدالله بن محمد الأنصاري الخزرجي الأحسائي. دأب في اقتناء الأدب، وبرع في لسان العرب، ونشأ على كاهـل المجـد حتى اكتهل، وألقت إليه المعاني اعنتها من غير مهل، ولم يزل أحسن من أمسه غده حتى تمكنت من ناصية الحظ يده، فاكتسى من الشمس غُرَّة، واغترف بالكف الخضيب من نهر المجرة، وطالت ذراع سعده، حتى هَـمَّ باجتناء عنقود الثريا على بعـده، وقلبَ طرفه في جبهة الأسد فصار من هيبته جديا، ولم يترك دلـو جدواه المجدولة الرشاء في بطن بلدته كبـدا صديا. وكان منذ كان إلى أن تغمده الله بالغفران من بلدة الأحساء كالقلب من الصدر، وهي منه كالهالة من البدر. سقى الله ثراه شآبيب الرحمة، ووسع مسلكه يوم الزحمة.»

ويقول الشيخ محمد الخال مؤلف كتاب «البيتوشي» عن الشيخ أحمد بن عبدالله:

«كان شاعراً ماهراً، وأديباً واسع المعرفة، بعيد الخيال رقيق الشعور، وكانت علاقته بالبيتوشي علاقة علمية روحية، وأدبية وثيقة، فكان البيتوشي يتفيأ ظلال عزه وكرمه، وكان هو يقدر البيتوشي حق قدره ويمده دائماً بما لديه من مال وجاه ويظله برعايته وجوده وبهذه المناسبه جرت بينهم أشعار وأبيات رقاقة ينعكس منها مقدار الاتصال الروحي بين هذين الأديبين.»

✦✦✦

لقد كان للكتب قيمة عالية لدى الشيخ أحمد، ورغم صعوبة توفرها في ذلك العصر، فقد بذل الكثير من الحرص والجد في جمع وتحقـيق ومقـابـلة المفيد من الكتب وخاصة ما عني منها بعلوم الدين والأدب، فجمع العديد منها بالشراء الشرعي أو النسخ أو عن طريق الهبة مثل أخيه العلّامة حسين بن عبدالله، ومن هذه الكتب:

  1. نسخة جليلة للقرآن الكريم نسخها بنفسه عام ١١٦٨ هـ، وقد كتبها على ٣٤ قاعدة، من أهمّها:
    — أن كلّ جزء مكتوب في عشر ورقات.
    — أن كلّ جزء يبدأ بصفحة جديدة.
    — أن كلّ صفحة تبدأ بآية جديدة.
    — ألفاظ عديدة مثل: سبحان الله، ويأيها الذين آمنوا، ويأيها الذين كفروا، كلها تبدأ في أوائل الأسطر.
  2. نسخة خطيّة من كتاب الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للشربيني في الفقه الشافعي كتبها سنة ١١٦١ هـ.
  3. مخطوطة من كتاب فرائد القلائد في شرح مختصر الشواهد للعلّامة محمد بن أحمد العيني الحنفي.
  4. مخطوطة من كتاب البهجة المرضية بشرح الألفية للإمام السيوطي، وهبها له أخوه الشيخ حسين.
  5. نسخة من النصف الأول من فتح الجواد للعلّامة الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي، نسخها بيده سنة ١١٦٥ هـ.
  6. له مقابلة لكتاب تحفة المحتاج بخط الشيخ أحمد بن ضاحي سنة ١١٧٨ هـ.
  7. مقابلة أخرى له لكتاب فتح الجواد شرح الإرشاد بخط الشيخ أحمد بن محمد بن عثمان سنة ١١٦٤ هـ.
  8. نسخة خطيّة من كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي، وهذه المخطوطة كتبها محمد بن إبراهيم الكثير للشيخ حسين سنة ١١٨٨ هـ، ثم انتقلت إلى الشيخ أحمد.
صورة للمصحف الشريف بخط الشيخ أحمد بن عبدالله
صورة للمصحف الشريف
بخط الشيخ أحمد

كان الشيخ أحمد -رحمه الله- أديباً وشاعراً ذائع الصيت في عصره، وله مساجلات مع بعض العلماء والشعراء مثل الشيخ العلّامة عبدالله بن محمد البيتوشي، والسيد الشيخ عبدالرحمن بن أحمد الزواوي وغيرهم.

ولجودة شعره رغم قِلّته، فقد أثنى الأدباء ومحبو الشعر على أدبه مثل الشيخ البيتوشي الذي قال عنه «دأب في اقتناء الأدب، وبرع في لسان العرب»، وقال عنه الدكتور محمد جابر الأنصاري «من وجهاء الأحساء وعلمائها، وكان فقيهاً وشاعراً».

ولقد تضمّن كتاب «تحفة المستفيد» لمؤلّفه حفيده الشيخ محمد بن عبدالله نماذج من قصائده، وله قصائد لا تزال مخطوطة في أغراض كثيرة من الشعر. ورغم المكانة الشعرية الرفيعة التي كانت له في عصره وما تلاه، إلا أن شعره لم يُجمع بديوان. ومما يؤكد تلك المكانة قصائد نظّمها من عرفوه عن قرب وقدّروا شاعريته، بجانب ما كان له من مكانة اجتماعية رفيعة وما اتسم به من نبل الأخلاق. ومن تلك القصائد قصيدة طويلة مدحه بها العلّامة عبدالله البيتوشي، منها:

أريـــد أحمــدها اسماً وجودهـا
وسما أمجـدّها عندي أسمـاها
غصن النــدى دوحـة الأنصـار دوحته
أعلا البريـة أوصافاً وأغـلاها
شادي مباني العُـلا حلماً ومكرمـة
مُردي العـوادي بأخـلاق تحـلاها
الوارثُ المجـد في فتيـان انتشـرت
فينـا فضـائلهم والله أفشـاها
يا ابن الأولى غير طرق المجد ما عرفوا
لازلت أسـما الورى فضلاً وأسناها
فاسلم دوامـاً ما أطـاع الله ذو رمق
منـا ومـا حثّ زوارٍّ مطـاياها

وتوفي الشيخ أحمد بن عبدالله —رحمه الله— حوالي سنة ١١٩٧ هـ، بعد أن ترك أثراً علمياً وقضائياً وأدبياً بارزاً، وظلت سيرته ومخطوطاته شاهدة على مكانته بين علماء الأحساء وأعلام الأسرة.